أبي منصور الماتريدي
340
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فمنهم « 1 » من صرف هذا إلى حالة الموت . ومنهم « 2 » من ذكر أن هذه الأحوال تكون يوم القيامة . وإلى أي الحالين صرف التأويل ، فهو مستقيم ؛ لأن المنكر بالبعث إذا جاءه بأس الله تعالى ، ورأى ما حل به من الأهوال - أيقن بالبعث ، وعلم به . ثم إن كان المراد به حالة الموت ؛ فقوله - عزّ وجل - : فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ . وَخَسَفَ الْقَمَرُ . وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ . يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ يخرج على التمثيل ، ليس على التحقيق ؛ لأن بصره إذا دهش وتحير ، صار بحيث لا ينتفع ببصر وجهه ، ولا ببصر قلبه ، لا يرى ضوء القمر ؛ فيصير القمر كالمنخسف ، وتصير الشمس والقمر كالمجموعين ، ولا يرى ضوء الشمس ولا نور القمر ؛ فيصير النهار عليه ليلا ، والليل نهارا ؛ شغلا بما حل به من البلايا والأهوال ، وهو كما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، والآخرة جنة المؤمن وسجن الكافر » « 3 » ، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من كره لقاء الله ، كره الله لقاءه ، ومن أحب لقاء الله ، أحب الله لقاءه » « 4 » فصرفوا تأويل هذين الخبرين إلى حالة الموت ؛ وذلك أن الكافر يعاين في ذلك الوقت ما أوعد من الأهوال والشدائد ؛ فكره مفارقة روحه من جسده ؛ لئلا يقع في تلك الأهوال والشدائد ، وتصير الدنيا له في ذلك الوقت كالجنة ، لا يجب مفارقتها . والمؤمن إذا عاين ما وعد له من البشارات ، وأنواع الكرامات ، ود الخروج من الدنيا ؛ ليصل إلى ما أعد له ؛ فتصير الدنيا عليه كالسجن في ذلك الوقت ؛ فيكون هذا كله على التمثيل من الوجه الذي ذكرنا . وإن كان ذلك على يوم القيامة ، فهو على تحقيق الخسف ، وجمع الشمس والقمر . وقوله - عزّ وجل - : يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ : يحتمل أن يكون قوله - تعالى - : أَيْنَ الْمَفَرُّ ، أي : ليس لي موضع فرار عما حل بي . أو يقول : إلى أين أفر ؟ وإلى من ألتجئ ؛ لأتخلص من العذاب ؟ والله أعلم . ثم قوله - عزّ وجل - : فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ :
--> ( 1 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير عنه ( 35562 ) وهو قول قتادة . ( 2 ) قاله مجاهد أخرجه ابن جرير ( 35563 ) وعبد بن حميد ، وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 465 ) . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 4 / 2272 ) كتاب الزهد ( 1 / 2956 ) ، والترمذي ( 4 / 486 ) كتاب الزهد ( 2324 ) . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 11 / 364 ) كتاب الرقاق ( 6507 ) ، ومسلم ( 4 / 2065 ) كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ( 15 / 2684 ) .